اعتقد ان كل عراقي يهتز من جذور
اعماقه كالشجرة هذه الايام وهو يسمع ويرى العالم قد انشغل بكل ثقله بالعراق ، ذلك
ان التاريخ بطوله وعرضه يختزل اليوم عصارة من المكونات اللامتناهية التي بدأها
العراق. ان تاريخ العالم يسجل اليوم من خلال المسألة العراقية بداية عصر جديد يختلف
كاملا عما كان مألوفا في الايام الخوالي .. العراق ، انه العنقاء التي ما ان تسحق
حتى تتخلق من جديد برغم كل المخاطر والتحديات ، وانني مؤمن بأن الله سيحفظ لنا
وطننا في هجمة ربما لم ينلها أحد منذ الاف السنين في هذا الوجود.. وهو بجغرافيته
المركزية لا يمكن ان تجد فيه الا عبقرية مكان لا حدود لها وقد أغالي ان قلت انه
يمكنه ان يغدو مشروعا للوجود بأسره برغم كل العاديات ! قلت في يوم ما وانا افكك ما
اشاعه عنه احد خصومه اللئام : ان العراق ضحية أخوته ! فهاجمني بعض الجهلاء من اولئك
الذين يحاربوننا في كل رزقنا ووجودنا منذ عشرات السنين ! وقلت ان مصيبتنا فينا
انفسنا نحن الذين نثق بكل طيبة وسذاجة بالاخرين ونقدمهم حتى على انفسنا ! ولا اعتقد
بأن اي عراقي قد افتقد عاطفته المتوقده واحاسيسه الجامحة حتى وان ولد بعيدا عنه ولم
يره ابدا .. لكنه يحمله في جينات موروثاته منذ الازل حتى عند الاف المهاجرين من
يهود ومسلمين ومسيحيين غادروا وطنهم قبل عشرات السنين نتيجة لاوضاعه السياسية
والاجتماعية الصعبة . ودوما اقول بأن العراقي هو ابن جماعة ذكية جدا توطنت قبل الاف
السنين في واد كله زرع وضرع وخيرات لا حدود لها ولكنها دوما من نصيب الاخرين ليبقى
صاحبها كادحا وجائعا وحزينا وصلدا ومقهورا وصريعا في مواجهة اعتى الطغاة والطامعين
.. اكتسب العراقي الوان بيئته المتنوعة واثرت فيه عواملها الجيوتاريخية الصعبة
والقارية وتتنازعه بدائل الزمان وتوحده فضائل المكان وبرغم كل الغلظة والقساوة
والعنف والتوحشات تستكشف من طرف آخر عالما انسانيا جميلا يترع بالعواطف والحنين
والرهفة وكل الموجدات !
هنا .. دعوني انادي باعلى صوتي : ان ضميرنا الحي يطالبنا نحن العراقيين ان يكون
عقلنا كبيرا وصدرنا واسعا وصبرنا لا حدود له .. انني اخاطب أخوتي وبني جلدتي منهم
نظرا لأنني وجدتهم بحاجة الى اكثر من خطاب ونصيحة في هذه الايام المصيرية ! اليوم
نحن عند مفترق طرق صعب جدا في تاريخنا كعراقيين .. من يدري ؟ ربما ستنقلب الموازين
من عاليها سافلها او من سافلها الى عاليها .. ربما ستخرج العنقاء سالمة متعافية بعد
ان تتغير كل الالوان والعناصر والمكونات التي افسدت علينا وجودنا .. وربما ستبقى
ضحية هامدة سنوات طوال وقد نزفت دما ونضحت دموعا لا يمكن تخيلها بعد الخراب ! ان
غدا لناظره قريب ، ولكن عليكم ان تتذكروا أخوتي كل ما مر بكم من الاحن القاسية.
عليكم ان تذكروا من وقف معكم ومن وقف ضدكم في الايام الصعبة واعلموا ايها العراقيون
انكم مهما اختلفتم في ما بينكم فبيتكم واحد ومصيركم واحد ووجودكم واحد . ولا اعتقد
ان صدمة اليوم سوف لن تعلّمكم شيئا بعد ان تغسل كل الاشياء وترجع المياه الى كل
اوانيها المستطرقة وتتطهر كل ذرات التراب . لقد مرت بكم صدمات لا تعد ولا تحصى على
امتداد القرن العشرين ولكنها لم تعلمكم الا النزر اليسير .. كنتم في قلب الدنيا
وتوالت عليكم كل المآسي والالام وبشاعات اولئك الذين يتلذذون بمرآنا وتشتتنا او
يتندرون بسماع اخبارنا وحروبنا .. كفاكم تنقسمون على انفسكم في مزيد من التشتتات
السياسية وعليكم ان تكونوا بحجم بلادكم القارية .. وابتعدوا عن النزوعات الطائفية
.. عليكم ان تتعلموا بأن تنوعاتكم الخصبة هي اشياء جميلة لا يمتلكها الاخرون !
عليكم ان يكون العراق عندكم اولا واخيرا !
من مقال للدكتور سيار الجميل